فصل: تفسير الآيات رقم (17- 33)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


سورة الملك

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏1‏)‏ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ‏(‏3‏)‏ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ‏(‏4‏)‏ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ‏(‏5‏)‏ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏6‏)‏ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ‏(‏7‏)‏ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ‏(‏8‏)‏ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ‏(‏9‏)‏ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏10‏)‏ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الملك‏}‏ تبارك تفاعل من البركة، والبركة النماء والزيادة‏.‏ وقيل‏:‏ تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين‏.‏ وقيل‏:‏ دام فهو الدائم الذي لا أوّل لوجوده، ولا آخر لدوامه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ تبارك‏:‏ تقدّس، وصيغة التفاعل للمبالغة، واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء، والملك هو ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة، فهو يعزّ من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع من يشاء ويضع من يشاء، وقيل‏:‏ المراد بالملك ملك النبوّة، والأوّل أولى؛ لأن الحمل على العموم أكثر مدحاً وأبلغ ثناء، ولا وجه للتخصيص ‏{‏وَهُوَ على كُلّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ بليغ القدرة لا يعجزه شيء من الأشياء يتصرّف في ملكه كيف يريد من إنعام وانتقام، ورفع ووضع، وإعطاء ومنع‏.‏

‏{‏الذى خَلَقَ الموت والحياة‏}‏ الموت‏:‏ انقطاع تعلق الرّوح بالبدن ومفارقته له، والحياة تعلق الرّوح بالبدن واتصاله به‏.‏ وقيل‏:‏ هي ما يصح بوجوده الإحساس‏.‏ وقيل‏:‏ ما يوجب كون الشيء حياً‏.‏ وقيل‏:‏ المراد الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة‏.‏ وقدّم الموت على الحياة؛ لأن أصل الأشياء عدم الحياة، والحياة عارضة لها‏.‏ وقيل‏:‏ لأن الموت أقرب إلى القهر‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ خلق الموت يعني‏:‏ النطفة، والمضغة والعلقة، والحياة يعني‏:‏ خلقه إنساناً، وخلق الروح فيه، وقيل‏:‏ خلق الموت على صورة كبش لا يمرّ على شيء إلاّ مات، وخلق الحياة على صورة فرس لا تمرّ بشيء إلاّ حيي، قاله مقاتل والكلبي‏.‏ وقد ورد في التنزيل‏:‏ ‏{‏قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت الذى وُكّلَ بِكُمْ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 11‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملئكة‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 50‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 61‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 42‏]‏ وغير ذلك من الآيات ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً‏}‏ اللام متعلقة بخلق أي‏:‏ خلق الموت والحياة؛ ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم أحسن عملاً، فيجازيكم على ذلك‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكراً وأشدّ منه خوفاً، وقيل‏:‏ أيكم أسرع إلى طاعة الله، وأورع عن محارم الله‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ اللام متعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت‏.‏ وقال الزجاج أيضاً، والفراء‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏{‏لِيَبْلُوَكُمْ‏}‏ لم يقع على أيّ، لأن فيما بين البلوى وأيّ إضمار فعل، كما تقول‏:‏ بلوتكم لأنظر أيكم أطوع، ومثله قوله‏:‏ ‏{‏سَلْهُمْ أَيُّهُم بذلك زَعِيمٌ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 40‏]‏ أي‏:‏ سلهم ثم انظر أيهم، فأيكم في الآية مبتدأ، وخبره أحسن؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل لجميع أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح لا إلى الحسن والأحسن فقط؛ للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين ‏{‏وَهُوَ العزيز‏}‏ أي‏:‏ الغالب الذي لا يغالب ‏{‏الغفور‏}‏ لمن تاب وأناب‏.‏ ‏{‏الذى خَلَقَ سَبْعَ سموات طِبَاقاً‏}‏ الموصول يجوز أن يكون تابعاً للعزيز، الغفور نعتاً، أو بياناً، أو بدلاً، وأن يكون منقطعاً عنه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على المدح، و‏{‏طباقاً‏}‏ صفة لسبع سموات أي‏:‏ بعضها فوق بعض، وهو جمع طبق نحو جبل وجبال، أو جمع طبقة نحو رحبة ورحاب، أو مصدر طابق، يقال‏:‏ طابق مطابقة وطباقاً، ويكون على هذا الوجه الوصف بالمصدر للمبالغة، أو على حذف مضاف، أي‏:‏ ذات طباق، ويجوز أن يكون منتصباً على المصدرية بفعل محذوف، أي‏:‏ طوبقت طباقاً ‏{‏مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت‏}‏ هذه الجملة صفة ثانية لسبع سموات، أو مستأنفة لتقرير ما قبلها، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، و«من» مزيدة لتأكيد النفي‏.‏

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏من تفاوت‏}‏‏.‏ وقرأ ابن مسعود وأصحابه، وحمزة، والكسائي‏:‏ «تفوّت» مشدّداً بدون ألف، وهما لغتان‏.‏ كالتعاهد والتعهد، والتحامل والتحمل؛ والمعنى على القراءتين‏.‏ ما ترى في خلق الرحمن من تناقض ولا تباين، ولا اعوجاج ولا تخالف، بل هي مستوية مستقيمة دالة على خالقها، وإن اختلفت صورها وصفاتها، فقد اتفقت من هذه الحيثية ‏{‏فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ‏}‏ الفطور‏:‏ الشقوق والصدوع والخروق أي‏:‏ اردد طرفك حتى يتضح لك ذلك بالمعاينة‏.‏ أخبر أوّلاً بأنه لا تفاوت في خلقه، ثم أمر ثانياً بترديد البصر في ذلك لزيادة التأكيد وحصول الطمأنينة‏.‏ قال مجاهد، والضحاك‏:‏ الفطور‏:‏ الشقوق جمع فطر وهو الشق‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هل ترى من خلل‏؟‏‏.‏ وقال السديّ‏:‏ هل ترى من خروق، وأصله من التفطر والانفطار، وهو التشقق والانشقاق، ومنه قول الشاعر‏:‏

بنى لكم بلا عمد سماء *** وزينها فما فيها فطور

وقول الآخر‏:‏

شققت القلب ثم رددت فيه *** هواك فليم فالتام الفطور

‏{‏ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ‏}‏ أي‏:‏ رجعتين مرّة بعد مرّة، وانتصابه على المصدر، والمراد بالتثنية‏:‏ التكثير، كما في لبيك وسعديك، أي‏:‏ رجعة بعد رجعة وإن كثرت‏.‏ ووجه الأمر بتكرير النظر على هذه الصفة، أنه قد لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في الثانية، ولهذا قال أوّلاً‏:‏ ‏{‏مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت‏}‏ ثم قال ثانياً‏:‏ ‏{‏فارجع البصر‏}‏ ثم قال ثالثاً‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ‏}‏ فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة، وأقطع للمعذرة ‏{‏يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا‏}‏ أي‏:‏ يرجع إليك البصر ذليلاً صاغراً عن أن يرى شيئًا من ذلك، وقيل‏:‏ معنى خاسئاً‏:‏ مبعداً مطروداً عن أن يبصر ما التمسه من العيب، يقال‏:‏ خسأت الكلب أي‏:‏ أبعدته وطردته‏.‏ قرأ الجمهور ‏{‏ينقلب‏}‏ بالجزم جواباً للأمر‏.‏ وقرأ الكسائي في رواية بالرفع على الاستئناف ‏{‏وَهُوَ حَسِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ كليل منقطع‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أي‏:‏ وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور، وهو الإعياء، يقال‏:‏ حسر بصره يحسر حسوراً أي‏:‏ كلّ وانقطع، ومنه قول الشاعر‏:‏

نظرت إليها بالمحصب من منى *** فعاد إليّ الطرف وهو حسير

‏{‏وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح‏}‏ بيّن سبحانه بعد خلق السموات، وخلوّها من العيب والخلل أنه زينها بهذه الزينة، فصارت في أحسن خلق وأكمل صورة وأبهج شكل، والمجيء بالقسم لإبراز كمال العناية، والمصابيح جمع مصباح، وهو السراج، وسميت الكواكب مصابيح؛ لأنها تضيء كإضاءة السراج وبعض الكواكب، وإن كان في غير سماء الدنيا من السموات التي فوقها، فهي تتراءى كأنها كلها في سماء الدنيا؛ لأن أجرام السموات لا تمنع من رؤية ما فوقها مما له إضاءة لكونها أجراماً صقيلة شفافة ‏{‏وجعلناها رُجُوماً للشياطين‏}‏ أي‏:‏ وجعلنا المصابيح رجوماً يرجم بها الشياطين‏.‏ وهذه فائدة أخرى غير الفائدة الأولى، وهي كونها زينة للسماء الدنيا؛ والمعنى أنها يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع، والرجوم جمع رجم بالفتح، وهو في الأصل مصدر أطلق على المرجوم به، كما في قولهم‏:‏ الدرهم ضرب الأمير أي‏:‏ مضروبة، ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته، ويقدر مضاف محذوف أي‏:‏ ذات رجم، وجمع المصدر باعتبار أنواعه‏.‏ وقيل‏:‏ إن الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وجعلناها‏}‏ راجع إلى المصابيح على حذف مضاف أي‏:‏ شهبها، وهي نارها المقتبسة منها لا هي أنفسها‏:‏ لقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 10‏]‏ ووجه هذا‏:‏ أن المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا لا تزول ولا يرجم بها، كذا قال أبو عليّ الفارسي جواباً لمن سأله‏:‏ كيف تكون المصابيح زينة وهي رجوم‏؟‏ قال القشيري‏:‏ وأمثل من قوله هذا أن تقول‏:‏ هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين‏.‏ قال قتادة‏:‏ خلق الله النجوم لثلاث‏:‏ زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البرّ والبحر، فمن تكلم فيها بغير ذلك، فقد تكلم فيما لا يعلم، وتعدّى وظلم‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الآية‏:‏ وجعلناها ظنوناً لشياطين الإنس، وهم المنجمون ‏{‏وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير‏}‏ أي‏:‏ وأعتدنا للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب عذاب السعير أي‏:‏ عذاب النار، والسعير‏:‏ أشدّ الحريق، يقال‏:‏ سعرت النار، فهي مسعورة‏.‏

‏{‏وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ‏}‏ من كفار بني آدم، أو من كفار الفريقين‏:‏ ‏{‏عَذَابَ جَهَنَّمَ‏}‏ قرأ الجمهور برفع ‏{‏عذاب‏}‏ على أنه مبتدأ، وخبره‏:‏ ‏{‏لِلَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏‏.‏ وقرأ الحسن، والضحاك، والأعرج بنصبه عطفاً على ‏{‏عَذَابِ السعير‏}‏، ‏{‏وَبِئْسَ المصير‏}‏ ما يصيرون إليه، وهو جهنم‏.‏ ‏{‏إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ طرحوا فيها كما يطرح الحطب في النار ‏{‏سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا‏}‏ أي‏:‏ صوتاً كصوت الحمير عند أوّل نهيقها، وهو أقبح الأصوات، وقوله‏:‏ ‏{‏لها‏}‏ في محل نصب على الحال أي‏:‏ كائناً لها، لأنه في الأصل صفة، فلما قدّمت صارت حالاً‏.‏

وقال عطاء‏:‏ الشهيق هو من الكفار عند إلقائهم في النار، وجملة‏:‏ ‏{‏وَهِىَ تَفُورُ‏}‏ في محل نصب على الحال، أي‏:‏ والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل، ومنه قول حسان‏:‏

تركتم قدركم لا شيء فيه *** وقدر الغير حامية تفور

‏{‏تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ‏}‏ أي‏:‏ تكاد تتقطع وينفصل بعضها من بعض من تغيظها عليهم‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ تكاد تنشقّ غيظاً على الكفار‏.‏ قرأ الجمهور ‏{‏تميز‏}‏ بتاء واحدة مخففة، والأصل‏:‏ تتميز بتاءين‏.‏ وقرأ طلحة بتاءين على الأصل‏.‏ وقرأ البزي عن ابن كثير بتشديدها بإدغام إحدى التاءين في الأخرى‏.‏ وقرأ الضحاك «تمايز» بالألف وتاء واحدة، والأصل تتمايز، وقرأ زيد بن عليّ‏:‏ «تميز» من ماز يميز، والجملة في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها خبر آخر لمبتدأ، وجملة‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا‏}‏ مستأنفة لبيان حال أهلها، أو في محل نصب على الحال من فاعل ‏{‏تميز‏}‏ والفوج‏:‏ الجماعة من الناس أي‏:‏ كلما ألقي في جهنم جماعة من الكفار سألهم خزنتها من الملائكة سؤال توبيخ وتقريع‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَأْتِكُمْ‏}‏ في الدنيا ‏{‏نَّذِيرٍ‏}‏ ينذركم هذا اليوم، ويحذركم منه‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏قَالُواْ بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ‏}‏ مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل‏:‏ فماذا قالوا بعد هذا السؤال، فقال‏:‏ قالوا‏:‏ بلى قد جاءنا نذير، فأنذرنا وخوّفنا وأخبرنا بهذا اليوم ‏{‏فَكَذَّبْنَا‏}‏ ذلك النذير ‏{‏وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَئ‏}‏ من الأشياء على ألسنتكم ‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ‏}‏ أي في ذهاب عن الحق وبعد عن الصواب، والمعنى‏:‏ أنه قال‏:‏ كلّ فوج من تلك الأفواج حاكياً لخزنة جهنم ما قاله لمن أرسل إليه‏:‏ ما أنتم أيها الرسل فيم تدّعون أن الله نزل عليكم آيات تنذرونا بها إلاّ في ذهاب عن الحق، وبعد عن الصواب كبير لا يقادر قدره‏.‏

ثم حكى عنهم مقالة أخرى قالوها بعد تلك المقالة فقال‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير‏}‏ أيّ‏:‏ لو كنا نسمع ما خاطبنا به الرسل، أو نعقل شيئًا من ذلك ما كنا في عداد أهل النار، ومن جملة من يعذب بالسعير، وهم الشياطين، كما سلف‏.‏ قال الزجاج‏:‏ لو كنا نسمع سمع من يعي، أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار، فلما اعترفوا هذا الاعتراف قال الله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاعترفوا بِذَنبِهِمْ‏}‏ الذي استحقوا به عذاب النار، وهو الكفر وتكذيب الأنبياء ‏{‏فَسُحْقًا لأصحاب السعير‏}‏ أي‏:‏ فبعداً لهم من الله ومن رحمته‏.‏ وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح‏:‏ هو وادٍ في جهنم يقال له‏:‏ السحق‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فسحقاً‏}‏ بإسكان الحاء‏.‏

وقرأ الكسائي، وأبو جعفر بضمها، وهما لغتان مثل السحت والرعب‏.‏ قال الزجاج، وأبو عليّ الفارسي‏:‏ فسحقاً منصوب على المصدر أي‏:‏ أسحقهم الله سحقاً‏.‏ قال أبو عليّ الفارسي‏:‏ وكان القياس إسحاقاً، فجاء المصدر على الحذف، واللام في ‏{‏لأصحاب السعير‏}‏ للبيان، كما في ‏{‏هَيْتَ لَكَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏‏.‏

وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏سَبْعَ سموات طِبَاقاً‏}‏ قال‏:‏ بعضها فوق بعض‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله‏:‏ ‏{‏مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت‏}‏ قال‏:‏ ما تفوت بعضه بعضاً تفاوتاً مفرقاً‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏مِن تفاوت‏}‏ قال‏:‏ من تشقق، وفي قوله‏:‏ ‏{‏هَلْ ترى مِن فُطُورٍ‏}‏ قال‏:‏ شقوق، وفي قوله‏:‏ ‏{‏خَاسِئًا‏}‏ قال‏:‏ ذليلاً ‏{‏وَهُوَ حَسِيرٌ‏}‏ كليل‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً‏.‏ قال‏:‏ الفطور‏:‏ الوهي‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً ‏{‏مِن فُطُورٍ‏}‏ قال‏:‏ من تشقق أو خلل، وفي قوله‏:‏ ‏{‏يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ‏}‏ قال‏:‏ يرجع إليك ‏{‏خَاسِئًا‏}‏ قال‏:‏ صاغراً ‏{‏وَهُوَ حَسِيرٌ‏}‏ قال‏:‏ معييَّ، ولا يرى شيئًا‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً خاسئاً قال‏:‏ ذليلاً ‏{‏وَهُوَ حَسِيرٌ‏}‏ قال‏:‏ عييّ مرتجع‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏تَكَادُ تَمَيَّزُ‏}‏ قال‏:‏ تتفرّق‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً ‏{‏تَكَادُ تَمَيَّزُ‏}‏ قال‏:‏ يفارق بعضها بعضاً‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏فَسُحْقًا‏}‏ قال‏:‏ بعداً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 21‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏12‏)‏ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏13‏)‏ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ‏(‏14‏)‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏(‏15‏)‏ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ‏(‏16‏)‏ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ‏(‏17‏)‏ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏(‏18‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ‏(‏19‏)‏ أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ‏(‏20‏)‏ أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ‏(‏21‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب‏}‏ لما فرغ سبحانه من ذكر أحوال أهل النار ذكر أهل الجنة، وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول، أي‏:‏ غائبين عنه، أو غائباً عنهم، والمعنى‏:‏ أنهم يخشون عذابه، ولم يروه، فيؤمنون به خوفاً من عذابه، ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن أعين الناس، وذلك في خلواتهم، أو المراد بالغيب كون العذاب غائباً عنهم لأنهم في الدنيا، وهو إنما يكون يوم القيامة، فتكون الباء على هذا سببية ‏{‏لَهُم مَّغْفِرَةٌ‏}‏ عظيمة يغفر الله بها ذنوبهم ‏{‏وَأَجْرٌ كَبِيرٌ‏}‏ وهو الجنة، ومثل هذه الآية قوله‏:‏ ‏{‏مَّنْ خَشِىَ الرحمن بالغيب‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 33‏]‏‏.‏ ثم عاد سبحانه إلى خطاب الكفار فقال‏:‏ ‏{‏وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ‏}‏ هذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الإسرار والجهر بالنسبة إلى علم الله سبحانه، والمعنى‏:‏ إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول الله، فكلّ ذلك يعلمه الله لا تخفى عليه منه خافية، وجملة ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏ تعليل للاستواء المذكور، وذات الصدور هي مضمرات القلوب‏.‏ والاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ‏}‏ للإنكار، والمعنى‏:‏ ألا يعلم السرّ، ومضمرات القلوب من خلق ذلك وأوجده، فالموصول عبارة عن الخالق، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق، وفي يعلم ضمير يعود إلى الله، أي‏:‏ ألا يعلم الله المخلوق الذي هو من جملة خلقه، فإن الإسرار والجهر ومضمرات القلوب من جملة خلقه، وجملة‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللطيف الخبير‏}‏ في محل نصب على الحال من فاعل يعلم، أي‏:‏ الذي لطف علمه بما في القلوب، الخبير بما تسرّه وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية‏.‏

ثم امتنّ سبحانه على عباده، فقال‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً‏}‏ أي‏:‏ سهلة لينة تستقرّون عليها، ولم يجعلها خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون فيها والمشي عليها، والذلول في الأصل هو المنقاد الذي يذلّ لك، ولا يستصعب عليك، والمصدر الذلّ، والفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا‏}‏ لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور، والأمر للإباحة‏.‏ قال مجاهد، والكلبي، ومقاتل‏:‏ مناكبها طرقها وأطرافها وجوانبها‏.‏ وقال قتادة، وشهر بن حوشب‏:‏ مناكبها جبالها، وأصل المنكب الجانب، ومنه منكب الرجل، ومنه الريح النكباء لأنها تأتي من جانب دون جانب ‏{‏وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ‏}‏ أي‏:‏ مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض ‏{‏وَإِلَيْهِ النشور‏}‏ أي‏:‏ وإليه البعث من قبوركم لا إلى غيره، وفي هذا وعيد شديد‏.‏

ثم خوّف سبحانه الكفار فقال‏:‏ ‏{‏ءامَنْتُمْ مَّن فِى السماء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض‏}‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ يعني‏:‏ عقوبة من في السماء، وقيل‏:‏ من في السماء قدرته، وسلطانه، وعرشه، وملائكته، وقيل‏:‏ من في السماء من الملائكة، وقيل‏:‏ المراد جبريل، ومعنى ‏{‏أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الارض‏}‏ يقلعها ملتبسة بكم، كما فعل بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها، وقوله‏:‏ ‏{‏أَن يَخْسِفَ‏}‏ بدل اشتمال من الموصول أي‏:‏ ءأمنتم خسفه، أو على حذف من أي‏:‏ من أن يخسف ‏{‏فَإِذَا هِىَ تَمُورُ‏}‏ أي‏:‏ تضطرب، وتتحرك على خلاف ما كانت عليه من السكون‏.‏

قرأ الجمهور‏.‏ ‏{‏ءأمنتم‏}‏ بهمزتين‏.‏ وقرأ البصريون، والكوفيون بالتخفيف‏.‏ وقرأ ابن كثير بقلب الأولى واواً‏.‏ ثم كرّر سبحانه التهديد لهم بوجه آخر، فقال‏:‏ ‏{‏أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا‏}‏ أي‏:‏ حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، وقيل‏:‏ سحاب فيها حجارة، وقيل‏:‏ ريح فيها حجارة ‏{‏فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ‏}‏ أي‏:‏ إنذاري إذا عاينتم العذاب، ولا ينفعكم هذا العلم، وقيل‏:‏ النذير هنا محمد، قاله عطاء، والضحاك‏.‏ والمعنى‏:‏ ستعلمون رسولي وصدقه، والأوّل أولى‏.‏ والكلام في‏:‏ ‏{‏أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا‏}‏ كالكلام في‏:‏ ‏{‏أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض‏}‏ فهو‏:‏ إما بدل اشتمال، أو بتقدير من ‏{‏وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ الذين قبل كفار مكة من كفار الأمم الماضية‏.‏ كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وأصحاب الرس، وقوم فرعون ‏{‏فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ‏}‏ أي‏:‏ فكيف كان إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب الفظيع‏.‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات‏}‏ الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدّر، أي‏:‏ أغفلوا ولم ينظروا، ومعنى‏:‏ ‏{‏صافات‏}‏ أنها صافة لأجنحتها في الهواء، وتبسيطها عند طيرانها ‏{‏وَيَقْبِضْنَ‏}‏ أي‏:‏ يضممن أجنحتهنّ‏.‏ قال النحاس‏:‏ يقال للطائر إذا بسط جناحه‏:‏ صافّ، وإذا ضمها‏:‏ قابض كأنه يقبضها، وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح، وقبضه بعد البسط، ومنه قول أبي خراش‏:‏

يبادر جنح الليل فهو مزايل *** تحت الجناح بالتبسط والقبض

وإنما قال‏:‏ ‏{‏وَيَقْبِضْنَ‏}‏ ولم يقل «قابضات»، كما قال صافات؛ لأن القبض يتجدد تارة فتارة، وأما البسط فهو الأصل، كذا قيل‏.‏ وقيل‏:‏ إن معنى ‏{‏وَيَقْبِضْنَ‏}‏‏:‏ قبضهنّ لأجنحتهنّ عند الوقوف من الطيران، لا قبضها في حال الطيران، وجملة ‏{‏مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن‏}‏ في محل نصب على الحال من فاعل يقبضن، أو مستأنفة؛ لبيان كمال قدرة الله سبحانه‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه ما يمسكهنّ في الهواء عند الطيران إلاّ الرحمن القادر على كلّ شيء ‏{‏إِنَّهُ بِكُلّ شَئ بَصِيرٌ‏}‏ لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان‏.‏

‏{‏أَمَّنْ هذا الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الرحمن‏}‏ الاستفهام للتقريع والتوبيخ‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه لا جند لكم يمنعكم من عذاب الله، والجند الحزب والمنعة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أمّن‏}‏ هذا بتشديد الميم على إدغام ميم أم في ميم من، وأم بمعنى بل، ولا سبيل إلى تقدير الهمزة بعدها، كما هو الغالب في تقدير أم المنقطعة ببل والهمزة؛ لأن بعدها هنا «من» الاستفهامية، فأغنت عن ذلك التقدير، ومن الاستفهامية مبتدأ، واسم الإشارة خبره، والموصول مع صلته صفة اسم الإشارة، وينصركم صفة لجند، ومن دون الرحمن في محل نصب على الحال من فاعل ينصركم، والمعنى‏:‏ بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم متجاوزاً نصر الرحمن‏.‏

وقرأ طلحة بن مصرف بتخفيف الأولى وتثقيل الثانية، وجملة‏:‏ ‏{‏إِنِ الكافرون إِلاَّ فِى غُرُورٍ‏}‏ معترضة مقرّرة لما قبلها ناعية عليهم ما هم فيه من الضلال، والمعنى‏:‏ ما الكافرون إلاّ في غرور عظيم من جهة الشيطان يغرّهم به‏.‏

‏{‏أَمَّنْ هذا الذى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ‏}‏ الكلام في هذا كالكلام في الذي قبله قراءة وإعراباً، أي‏:‏ من الذي يدرّ عليكم الأرزاق من المطر وغيره، إن أمسك الله ذلك عنكم ومنعه عليكم ‏{‏بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ‏}‏ أي‏:‏ لم يتأثروا لذلك بل تمادوا في عناد واستكبار عن الحقّ ونفور عنه، ولم يعتبروا ولا تفكروا، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي‏:‏ إن أمسك رزقه فمن يرزقكم غيره، والعتوّ العناد، والطغيان، والنفور الشرود‏.‏

وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب‏}‏ قال‏:‏ أبو بكر، وعمر، وعليّ، وأبو عبيدة بن الجراح‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فِى مَنَاكِبِهَا‏}‏ قال‏:‏ جبالها‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال‏:‏ أطرافها‏.‏ وأخرج الطبراني، وابن عديّ، والبيهقي في الشعب، والحكيم الترمذي عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ «إن الله يحبّ العبد المؤمن المحترف» وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏بَل لَّجُّواْ فِى عُتُوّ وَنُفُورٍ‏}‏ قال‏:‏ في ضلال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 30‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏22‏)‏ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏23‏)‏ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏26‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ‏(‏27‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏28‏)‏ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏29‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ‏(‏30‏)‏‏}‏

ضرب سبحانه مثلاً للمشرك والموحد لإيضاح حالهما وبيان مآلهما، فقال‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى‏}‏ والمكبّ والمنكبّ‏:‏ الساقط على وجهه، يقال‏:‏ كببته فأكبّ وانكبّ‏.‏ وقيل‏:‏ هو الذي يكب رأسه، فلا ينظر يميناً ولا شمالاً ولا أماماً، فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه‏.‏ وقيل‏:‏ أراد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق، فلا يزال مشيه ينكسه على وجهه‏.‏ قال قتادة‏:‏ هو الكافر يكبّ على معاصي الله في الدنيا فيحشره الله يوم القيامة على وجهه‏.‏ والهمزة للاستفهام الإنكاري أي‏:‏ هل هذا الذي يمشي على وجهه أهدى إلى المقصد الذي يريده‏؟‏ ‏{‏أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً‏}‏ معتدلاً ناظراً إلى ما بين يديه ‏{‏على صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ على طريق مستوي لا اعوجاج به ولا انحراف فيه، وخبر «من» محذوف لدلالة خبر «من» الأولى، وهو أهدى عليه، وقيل‏:‏ لا حاجة إلى ذلك؛ لأن «من» الثانية معطوفة على «من» الأولى عطف المفرد على المفرد، كقولك‏:‏ أزيد قائم أم عمرو‏؟‏ وقيل‏:‏ أراد بمن يمشي مكباً على وجهه من يحشر على وجهه إلى النار، ومن يمشي سوياً من يحشر على قدميه إلى الجنة، وهو كقول قتادة الذي ذكرناه، ومثله قوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 97‏]‏‏.‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الذى أَنشَأَكُمْ‏}‏ أمر سبحانه رسوله أن يخبرهم بأن الله هو الذي أنشأهم النشأة الأولى ‏{‏وَجَعَلَ‏}‏ لهم ‏{‏السمع‏}‏ ليسمعوا به ‏{‏والأبصار‏}‏ ليبصروا بها، ووجه إفراد السمع مع جمع الأبصار أنه مصدر يطلق على القليل والكثير، وقد قدّمنا بيان هذا في مواضع مع زيادة في البيان ‏{‏والأفئدة‏}‏ القلوب التي يتفكرون بها في مخلوقات الله، فذكر سبحانه ها هنا أنه قد جعل لهم ما يدركون به المسموعات والمبصرات والمعقولات إيضاحاً للحجة وقطعاً للمعذرة، وذماً لهم على عدم شكر نعم الله، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ‏}‏ وانتصاب قليلاً على أنه نعت مصدر محذوف، و«ما» مزيدة للتأكيد أي‏:‏ شكراً قليلاً أو زماناً قليلاً، وقيل‏:‏ أراد بقلة الشكر عدم وجوده منهم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يعني أنكم لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه ‏{‏قُلْ هُوَ الذى ذَرَأَكُمْ فِى الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخبرهم أن الله هو الذي خلقهم في الأرض ونشرهم فيها وفرقهم على ظهرها، وأن حشرهم للجزاء إليه لا إلى غيره‏.‏

ثم ذكر سبحانه أنهم يستعجلون العذاب فقال‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ أي‏:‏ متى هذا الوعد الذي تذكرونه لنا من الحشر والقيامة، والنار والعذاب إن كنتم صادقين في ذلك‏؟‏ والخطاب منهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين، وجواب الشرط محذوف، والتقدير إن كنتم صادقين فأخبرونا به أو فبينوه لنا، وهذا منهم استهزاء وسخرية‏.‏

ثم لما قالوا هذا القول أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عليهم، فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا العلم عِندَ الله‏}‏ أي‏:‏ إن وقت قيام الساعة علمه عند الله لا يعلمه غيره، ومثله قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 187‏]‏ ثم أخبرهم أنه مبعوث للإنذار لا للإخبار بالغيب، فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏}‏ أنذركم وأخوّفكم عاقبة كفركم، وأبين لكم ما أمرني الله ببيانه‏.‏

ثم ذكر الله سبحانه حالهم عند معاينة العذاب فقال‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً‏}‏ يعني‏:‏ رأوا العذاب قريباً، وزلفة مصدر بمعنى الفاعل، أي‏:‏ مزدلفاً، أو حال من مفعول رأوا بتقدير مضاف، أي‏:‏ ذا زلفة وقرب، أو ظرف، أي‏:‏ رأوه في مكان ذي زلفة‏.‏ قال مجاهد‏:‏ أي‏:‏ قريباً‏.‏ وقال الحسن‏:‏ عياناً‏.‏ قال أكثر المفسرين‏:‏ المراد عذاب يوم القيامة، وقال مجاهد‏:‏ المراد عذاب بدر، وقيل‏:‏ رأوا ما وعدوا به من الحشر قريباً منهم، كما يدلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ وقيل‏:‏ لما رأوا عملهم السيء قريباً ‏{‏سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ‏}‏ أي‏:‏ اسودّت وعلتها الكآبة وغشيتها الذلة، يقال‏:‏ ساء الشيء يسوء، فهو سيء إذا قبح‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى تبين فيها السوء أي‏:‏ ساءهم ذلك العذاب، فظهر عليهم بسببه في وجوههم ما يدلّ على كفرهم كقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 106‏]‏‏.‏ قرأ الجمهور بكسر السين بدون إشمام، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، وابن محيصن بالإشمام ‏{‏وَقِيلَ هذا الذى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ‏}‏ أي‏:‏ قيل لهم توبيخاً وتقريعاً‏:‏ هذا المشاهد الحاضر من العذاب، هو العذاب الذي كنتم به تدّعون في الدنيا أي‏:‏ تطلبونه وتستعجلون به استهزاءً، على أن معنى ‏{‏تدّعون‏}‏ الدعاء‏.‏ قال الفراء‏:‏ تدّعون تفتعلون من الدعاء، أي‏:‏ تتمنون وتسألون، وبهذا قال الأكثر من المفسرين‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هذا الذي كنتم به تدّعون الأباطيل والأحاديث‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏تَدْعُونَ‏}‏‏:‏ تكذبون، وهذا على قراءة الجمهور‏:‏ ‏{‏تدّعون‏}‏ بالتشديد، فهو إما من الدعاء كما قال الأكثر، أو من الدعوى كما قال الزجاج ومن وافقه، والمعنى‏:‏ أنهم كانوا يدّعون أنه لا بعث ولا حشر ولا جنة ولا نار‏.‏ وقرأ قتادة، وابن أبي إسحاق، ويعقوب، والضحاك‏:‏ «تدعون» مخففاً، ومعناها ظاهر‏.‏ قال قتادة‏:‏ هو قولهم‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 16‏]‏‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هو قولهم‏:‏ ‏{‏اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ الآية‏.‏ قال النحاس‏:‏ تدّعون وتدعون بمعنى واحد، كما تقول قدر واقتدر، وغدا واغتدى، إلاّ أنّ أفعل معناه مضى شيئًا بعد شيء، وفعل يقع على القليل والكثير‏.‏

‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ الله وَمَن مَّعِىَ‏}‏ أي‏:‏ أخبروني إن أهلكني الله بموت أو قتل ومن معي من المؤمنين ‏{‏أَوْ رَحِمَنَا‏}‏ بتأخير ذلك إلى أجل‏.‏

وقيل المعنى‏:‏ إن أهلكني الله ومن معي بالعذاب، أو رحمنا فلم يعذبنا ‏{‏فَمَن يُجِيرُ الكافرين مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ فمن يمنعهم ويؤمنهم من العذاب‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه لا ينجيهم من ذلك أحد سواء أهلك الله رسوله والمؤمنين معه، كما كان الكفار يتمنونه أو أمهلهم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء، فمن يجيركم مع كفركم من العذاب، ووضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر، وبيان أنه السبب في عدم نجاتهم‏.‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الرحمن ءامَنَّا بِهِ‏}‏ وحده لا نشرك به شيئًا ‏{‏وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا‏}‏ لا على غيره، والتوكل‏:‏ تفويض الأمور إليه- عزّ وجلّ- ‏{‏فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ منا ومنكم، وفي هذا تهديد شديد مع إخراج الكلام مخرج الإنصاف‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ستعلمون‏}‏ بالفوقية على الخطاب‏.‏ وقرأ الكسائي بالتحتية على الخبر‏.‏

ثم احتجّ سبحانه عليهم ببعض نعمه، وخوّفهم بسلب تلك النعمة عنهم فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً‏}‏ أي‏:‏ أخبروني إن صار ماؤكم غائراً في الأرض بحيث لا يبقى له وجود فيها أصلاً، أو صار ذاهباً في الأرض إلى مكان بعيد بحيث لا تناله الدلاء‏.‏ يقال‏:‏ غار الماء غوراً، أي‏:‏ نضب، والغور الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة، كما يقال‏:‏ رجل عدل، وقد تقدم مثل هذا في سورة الكهف ‏{‏فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ‏}‏ أي‏:‏ ظاهر تراه العيون وتناله الدلاء، وقيل‏:‏ هو من معن الماء، أي‏:‏ كثر‏.‏ وقال قتادة، والضحاك‏:‏ أي‏:‏ جار، وقد تقدّم معنى المعين في سورة المؤمن‏.‏ وقرأ ابن عباس «فمن يأتيكم بماء عذب»‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً‏}‏ قال‏:‏ في الضلالة ‏{‏أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً‏}‏ قال‏:‏ مهتدياً‏.‏ وأخرج الخطيب في تاريخه، وابن النجار عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هذه الآية‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ‏}‏» وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هاتين الآيتين سبع مرات‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ‏}‏ إلى ‏{‏يَفْقَهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 98‏]‏ و‏{‏هُوَ الذى أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ‏}‏ فإنه يبرأ بإذن الله» وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً‏}‏ قال‏:‏ داخلاً في الأرض ‏{‏فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ‏}‏ قال‏:‏ الجاري‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه‏:‏ ‏{‏إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً‏}‏ قال‏:‏ يرجع في الأرض‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏بِمَاء مَّعِينٍ‏}‏ قال‏:‏ ظاهر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏بِمَاء مَّعِينٍ‏}‏ قال‏:‏ عذب‏.‏

سورة القلم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 16‏]‏

‏{‏ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ‏(‏1‏)‏ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ‏(‏2‏)‏ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ‏(‏3‏)‏ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ‏(‏4‏)‏ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ‏(‏5‏)‏ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ‏(‏6‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏7‏)‏ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏8‏)‏ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ‏(‏9‏)‏ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ‏(‏10‏)‏ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ‏(‏11‏)‏ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ‏(‏12‏)‏ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ‏(‏13‏)‏ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ‏(‏14‏)‏ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏15‏)‏ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏ن‏}‏ قرأ أبو بكر، وورش، وابن عامر، والكسائي، وابن محيصن، وابن هبيرة بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو، وقرأ الباقون بالإظهار، وقرأ أبو عمرو، وعيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل‏.‏ وقرأ ابن عامر، ونصر، وابن إسحاق بكسرها على إضمار القسم، أو لأجل التقاء الساكنين، وقرأ محمد بن السميفع وهارون بضمها على البناء‏.‏ قال مجاهد، ومقاتل، والسديّ‏:‏ هو الحوت الذي يحمل الأرض، وبه قال مرّة الهمذاني، وعطاء الخراساني، والكلبي‏.‏ وقيل‏:‏ إن نون آخر حرف من حروف الرحمن‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ هو قسم أقسم الله به‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ هو فاتحة السورة‏.‏ وقال عطاء، وأبو العالية‏:‏ هي النون من نصر وناصر‏.‏ قال محمد بن كعب‏:‏ أقسم الله تعالى بنصره المؤمنين، وقيل‏:‏ هو حرف من حروف الهجاء، كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك، وقد عرّفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أوّل سورة البقرة، والواو في قوله‏:‏ ‏{‏والقلم‏}‏ واو القسم، أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان، وهو واقع على كل قلم يكتب به‏.‏ وقال جماعة من المفسرين‏:‏ المراد به‏:‏ القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، أقسم الله به تعظيماً له‏.‏ قال قتادة‏:‏ القلم من نعمة الله على عباده ‏{‏وَمَا يَسْطُرُونَ‏}‏ ‏"‏ ما ‏"‏ موصولة أي‏:‏ والذي يسطرون، والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره؛ لأن ذكر آلة الكتابة تدلّ على الكاتب‏.‏ والمعنى‏:‏ والذي يسطرون أي‏:‏ يكتبون كل ما يكتب، أو الحفظة على ما تقدّم‏.‏ ويجوز أن تكون «ما» مصدرية، أي‏:‏ وسطرهم‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة، وإجرائها مجرى العقلاء، وجواب القسم قوله‏:‏ ‏{‏مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ‏}‏ ‏"‏ ما ‏"‏ نافية، وأنت اسمها، وبمجنون خبرها‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أنت هو اسم ما، وبمجنون خبرها، وقوله‏:‏ ‏{‏بِنِعْمَةِ رَبّكَ‏}‏ كلام وقع في الوسط أي‏:‏ انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال‏:‏ أنت بحمد الله عاقل، قيل‏:‏ الباء متعلقة بمضمر هو حال، كأنه قيل‏:‏ أنت بريء من الجنون ملتبساً بنعمة الله التي هي النبوة والرياسة العامة‏.‏ وقيل‏:‏ الباء للقسم أي‏:‏ وما أنت ونعمة ربك بمجنون‏.‏ وقيل‏:‏ النعمة هنا الرحمة، والآية رد على الكفار حيث قالوا‏:‏ ‏{‏يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 6‏]‏‏.‏ ‏{‏وَإِنَّ لَكَ لأجْراً‏}‏ أي‏:‏ ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوّة، وقاسيت من أنواع الشدائد غَيْرُ مَمْنُونٍ أي‏:‏ غير مقطوع، يقال‏:‏ مننت الحبل إذا قطعته‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ غَيْرُ مَمْنُونٍ غير محسوب، وقال الحسن‏:‏ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ غير مكدّر بالمنّ‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ أجراً بغير عمل‏.‏ وقيل‏:‏ غير مقدّر وقيل‏:‏ غير ممنون به عليك من جهة الناس‏.‏

‏{‏وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏ قيل‏:‏ هو الإسلام والدين، حكى هذا الواحدي عن الأكثرين‏.‏ وقيل‏:‏ هو القرآن، روي هذا عن الحسن والعوفي‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن، وقيل‏:‏ هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقيل المعنى‏:‏ إنك على طبع كريم‏.‏ قال الماوردي‏:‏ وهذا هو الظاهر، وحقيقة الخلق في اللغة ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب‏.‏ وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أنها سئلت عن خلق النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ كان خلقه القرآن، وهذه الجملة، والتي قبلها معطوفتان على جملة جواب القسم ‏{‏فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحقّ وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة ‏{‏بِأَيّكُمُ المفتون‏}‏ الباء زائدة للتأكيد أي‏:‏ المفتون بالجنون، كذا قال الأخفش، وأبو عبيدة، وغيرهما، ومثله قول الشاعر‏:‏

نحن بنو جعدة أصحاب العلج *** نضرب بالسيف ونرجو بالفرج

وقيل‏:‏ ليست الباء زائدة، والمفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور، والتقدير‏:‏ بأيكم الفتون أو الفتنة، ومنه قول الشاعر الراعي‏:‏

حتى إذا لم يتركوا لعظامه *** لحماً ولا لفؤاده معقولا

أي‏:‏ عقلا‏.‏ وقال الفراء‏:‏ إن الباء بمعنى، في أي في أيكم المفتون، أفي الفريق الذي أنت فيه أم في الفريق الآخر‏؟‏ ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة في أيكم المفتون‏.‏ وقيل‏:‏ الكلام على حذف مضاف، أي‏:‏ بأيكم فتن المفتون، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وروي هذا عن الأخفش أيضاً‏.‏ وقيل‏:‏ المفتون المعذب، من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته، ومنه قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 13‏]‏، وقيل‏:‏ المفتون هو الشيطان، لأنه مفتون في دينه، والمعنى‏:‏ بأيكم الشيطان‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هذا وعيد لهم بعذاب يوم بدر، والمعنى‏:‏ سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون، وجملة‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ‏}‏ تعليل للجملة التي قبلها، فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما، والمعنى‏:‏ هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله الموصل إلى سعادة الدارين ‏{‏وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين‏}‏ إلى سبيله الموصل إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة، فهو مجاز كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر‏.‏

‏{‏فَلاَ تُطِعِ المكذبين‏}‏ نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين، وهم رؤساء كفار مكة؛ لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض بغيره عن أن يطيع الكفار، أو المراد بالطاعة‏:‏ مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير، فنهاه الله عن ذلك، كما يدلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ‏}‏ فإن الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة‏.‏

قال الفرّاء‏:‏ المعنى لو تلين فيلينوا لك، وكذا قال الكلبي‏.‏ وقال الضحاك، والسديّ‏:‏ ودّوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر‏.‏ وقال الربيع بن أنس‏:‏ ودّوا لو تكذب فيكذبون‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ودّوا لو تذهب عن هذا الأمر، فيذهبون معك‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ودّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ودّوا لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمايلونك‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ كانوا أرادوه على أن يعبد آلاهتهم مدّة، ويعبدوا الله مدّة، وقوله‏:‏ ‏{‏فَيُدْهِنُونَ‏}‏ عطف على تدهن داخل في حيز لو، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي‏:‏ فهم يدهنون‏.‏ قال سيبويه‏:‏ وزعم قالون أنها في بعض المصاحف «ودّوا لو تدهن فيدهنوا» بدون نون، والنصب على جواب التمني المفهوم من ودّوا، والظاهر من اللغة في معنى الإدهان، هو ما ذكرناه أوّلاً‏.‏

‏{‏وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ‏}‏ أي‏:‏ كثير الحلف بالباطل ‏{‏مُّهِينٌ‏}‏ فعيل من المهانة، وهي القلة في الرأي والتمييز‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو الكذاب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ المكثار في الشرّ، وكذا قال الحسن‏.‏ وقيل‏:‏ هو الفاجر العاجز‏.‏ وقيل‏:‏ هو الحقير عند الله‏.‏ وقيل‏:‏ هو الذليل‏.‏ وقيل‏:‏ هو الوضيع ‏{‏هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ‏}‏ الهماز‏.‏ المغتاب للناس‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ هو الذي يهمز بأخيه‏.‏ وقيل‏:‏ الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز الذي يذكرهم في مغيبهم، كذا قال أبو العالية، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، وقال مقاتل عكس هذا‏.‏ والمشاء بنميم‏:‏ الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، يقال‏:‏ نمّ ينمّ‏:‏ إذا سعى بالفساد بين الناس، ومنه قول الشاعر‏:‏

ومولى كبيت النمل لا خير عنده *** لمولاه إلاّ سعيه بنميم

وقيل‏:‏ النميم جمع نميمة ‏{‏مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ‏}‏ أي‏:‏ بخيل بالمال لا ينفقه في وجهه‏.‏ وقيل‏:‏ هو الذي يمنع أهله وعشيرته عن الإسلام‏.‏ قال الحسن‏:‏ يقول لهم من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً ‏{‏مُعْتَدٍ أَثِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ متجاوز الحدّ في الظلم كثير الإثم ‏{‏عُتُلٍ‏}‏ قال الواحدي‏:‏ المفسرون يقولون‏:‏ هو الشديد الخلق الفاحش الخلق‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو الشديد الخصومة في الباطل‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هو الغليظ الجافي‏.‏ وقال الليث‏:‏ هو الأكول المنوع، يقال‏:‏ عتلت الرجل أعتله إذا جذبته جذباً عنيفاً، ومنه قول الشاعر‏:‏

نقرعه قرعاً ولسنا نعتله *** ‏{‏بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ هو بعد ما عدّ من معايبه زنيم، والزنيم هو الدعيّ الملصق بالقوم وليس هو منهم؛ مأخوذ من الزنمة المتدلية في حلق الشاة أو الماعز، ومنه قول حسان‏:‏

زنيم تداعاه الرجال زيادة *** كما زيد في عرض الأديم الأكارع

وقال سعيد بن جبير‏:‏ الزنيم المعروف بالشرّ‏.‏ وقيل‏:‏ هو رجل من قريش كان له زنمة كزنمة الشاة‏.‏

وقيل‏:‏ هو الظلوم ‏{‏أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ‏}‏ متعلق بقوله‏:‏ ‏{‏لا تطع‏}‏ أي‏:‏ لا تطع من هذه مثالبه لكونه ذا مال وبنين‏.‏ قال الفراء، والزجاج‏:‏ أي لأن كان، والمعنى لا تطعه لماله وبنيه‏.‏ قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، والمغيرة، وأبو حيوة ‏{‏أن كان‏}‏ بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام‏.‏ وقرأ حمزة، وأبو بكر، والمفضل «أأن كان» بهمزتين مخففتين، وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر، وعلى قراءة الاستفهام يكون المراد به‏:‏ التوبيخ والتقريع حيث جعل مجازاة النعم التي خوّله الله من المال والبنين أن كفر به وبرسوله‏.‏ وقرأ نافع في رواية عنه بكسر الهمزة على الشرط، وجملة ‏{‏إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين‏}‏ مستأنفة جارية مجرى التعليل للنهي، وقد تقدّم معنى أساطير الأوّلين في غير موضع ‏{‏سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم‏}‏ أي‏:‏ سنسمه بالكيّ على خرطومه‏.‏ قال أبو عبيدة، وأبو زيد، والمبرد‏:‏ الخرطوم الأنف‏.‏ قال مقاتل‏:‏ سنسمه بالسواد على الأنف، وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار‏.‏ قال الفراء‏:‏ والخرطوم وإن كان قد خصّ بالسمة، فإنه في مذهب الوجه؛ لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض‏.‏ قال الزجاج‏:‏ سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ سنلحق به شيئًا لا يفارقه، واختار هذا ابن قتيبة، قال‏:‏ والعرب تقول‏:‏ قد وسمه ميسم سوء يريدون ألصق به عاراً لا يفارقه، فالمعنى‏:‏ أن الله ألحق به عاراً لا يفارقه كالوسم على الخرطوم، وقيل‏:‏ معنى ‏{‏سَنَسِمُهُ‏}‏‏:‏ سنحطمه بالسيف‏.‏ وقال النضر بن شميل‏:‏ المعنى سنحدّه على شرب الخمر، وقد يسمى الخمر بالخرطوم، ومنه قول الشاعر‏:‏

تظل يومك في لهو وفي طرب *** وأنت بالليل شرّاب الخراطيم

وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب في تاريخه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال‏:‏ إن أوّل شيء خلقه الله القلم، فقال له‏:‏ اكتب، فقال‏:‏ يا ربّ، وما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتاب ورفع القلم، وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء، ففتقت منه السموات ثم خلق النون، فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس‏:‏ ‏{‏ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن مردويه عن عبادة ابن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «إن أوّل ما خلق الله القلم، فقال له‏:‏ اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد»

وأخرج ابن جرير من حديث معاوية بن قرّة عن أبيه مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ إن الله خلق النون، وهي الدواة‏:‏ وخلق القلم، فقال‏:‏ اكتب، قال‏:‏ وما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج عبد ابن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏ن‏}‏ الدواة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ النون‏:‏ السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خطّ به ربنا عزّ وجلّ القدر خيره وشرّه، وضرّه ونفعه ‏"‏ ‏{‏وَمَا يَسْطُرُونَ‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏ الكرام الكاتبون ‏"‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْطُرُونَ‏}‏ قال‏:‏ ما يكتبون‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه ‏{‏وَمَا يَسْطُرُونَ‏}‏ قال‏:‏ وما يعلمون‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ومسلم، وابن المنذر، والحاكم، وابن مردويه عن سعد بن هشام قال‏:‏ أتيت عائشة فقلت‏:‏ يا أمّ المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت‏:‏ كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن‏:‏ ‏{‏وإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والواحدي عنها «قالت‏:‏ ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا من أهل بيته إلاّ قال‏:‏ «لبيك»، فلذلك أنزل الله ‏{‏وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏»‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال‏:‏ سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، وابن مردويه عن أبي عبد الله الجدلي قال‏:‏ قلت لعائشة‏:‏ كيف كان خلق رسول الله‏؟‏ قالت‏:‏ لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ‏}‏ قال‏:‏ تعلم ويعلمون يوم القيامة ‏{‏بِأَيّكُمُ المفتون‏}‏ قال‏:‏ الشيطان، كانوا يقولون‏:‏ إنه شيطان، وإنه مجنون‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال‏:‏ بأيكم المجنون‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ‏}‏ يقول‏:‏ لو ترخص لهم فيرخصون‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً ‏{‏وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ‏}‏ الآية قال‏:‏ يعني‏:‏ الأسود بن عبد يغوث‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال‏:‏ قال مروان لما بايع الناس ليزيد‏:‏ سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر‏:‏ إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر، ولكنها سنة هرقل، فقال مروان‏:‏ هذا الذي أنزل فيه‏:‏

‏{‏والذى قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 17‏]‏ الآية، قال‏:‏ فسمعت ذلك عائشة فقالت‏:‏ إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزل في أبيك‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ‏}‏»‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ «نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ‏}‏ فلم نعرف حتى نزل عليه بعد ذلك زنيم، فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة»‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال‏:‏ العتلّ هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشرّ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن عساكر عنه قال‏:‏ الزنيم‏:‏ هو الدعيّ‏.‏ وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه عنه أيضاً قال‏:‏ الزنيم الذي يعرف بالشرّ كما تعرف الشاة بزنمتها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال‏:‏ هو الرجل يمرّ على القوم، فيقولون رجل سوء‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏زَنِيمٍ‏}‏ قال‏:‏ ظلوم‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق‏.‏ وقيل‏:‏ في الوليد بن المغيرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 33‏]‏

‏{‏إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ‏(‏17‏)‏ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ‏(‏18‏)‏ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ‏(‏19‏)‏ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ‏(‏20‏)‏ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ‏(‏21‏)‏ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ‏(‏22‏)‏ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ‏(‏23‏)‏ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ‏(‏24‏)‏ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ‏(‏25‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ‏(‏26‏)‏ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ‏(‏27‏)‏ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ‏(‏28‏)‏ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ‏(‏29‏)‏ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ‏(‏30‏)‏ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ‏(‏31‏)‏ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ‏(‏32‏)‏ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا بلوناهم‏}‏ يعني‏:‏ كفار مكة، فإن الله ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، والابتلاء الاختبار، والمعنى‏:‏ أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا ابتليناهم بالجوع والقحط ‏{‏كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة‏}‏ المعروف خبرهم عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدّي حق الله منها، فمات، وصارت إلى أولاده، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحقّ الله فيها‏.‏ قال الواحدي‏:‏ هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظاً للمساكين عند الحصاد والصرام، فقالت بنوه‏:‏ المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ الله في كتابه‏.‏ قال الكلبي‏:‏ كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ابتلاهم الله بأن حرق جنتهم‏.‏ وقيل‏:‏ هي جنة كانت بصوران، وصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بيسير ‏{‏إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ‏}‏ أي‏:‏ حلفوا ليقطعنها داخلين في وقت الصباح، والصرم القطع للثمر والزرع، وانتصاب ‏{‏مُّصْبِحِينَ‏}‏ على الحال من فاعل ليصرمنها، والكاف في‏:‏ ‏{‏كَمَا بَلَوْنَا‏}‏ نعت مصدر محذوف أي‏:‏ بلوناهم ابتلاء كما بلونا، وما مصدرية، أو بمعنى الذي، وإذ ظرف لبلونا منتصب به، وليصرمنها جواب القسم ‏{‏وَلاَ يَسْتَثْنُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ولا يقولون إن شاء الله، وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما وقع منهم أو حال‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم، قاله عكرمة‏.‏

‏{‏فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ طاف على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه، والطائف قيل‏:‏ هو نار أحرقتها حتى صارت سوداء، كذا قال مقاتل‏.‏ وقيل‏:‏ الطائف جبريل اقتلعها، وجملة ‏{‏وَهُمْ نَائِمُونَ‏}‏ في محل نصب على الحال ‏{‏فَأَصْبَحَتْ كالصريم‏}‏ أي‏:‏ كالشيء الذي صرمت ثماره أي‏:‏ قطعت، فعيل بمعنى مفعول، وقال الفرّاء‏:‏ كالصريم كالليل المظلم، ومنه قول الشاعر‏:‏

تطاول ليلك الجون الصريم *** فما ينجاب عن صبح بهيم

والمعنى‏:‏ أنها حرقت فصارت كالليل الأسود، قال‏:‏ والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ أي كالصبح انصرم من الليل، يعني‏:‏ أنها يبست وابيضت‏.‏ وقال المبرد‏:‏ الصريم الليل، والصريم النهار أي‏:‏ ينصرم هذا عن هذا، وذاك عن هذا، وقيل‏:‏ سمي الليل صريماً لأنه يقطع بظلمته عن التصرّف، وقال المؤرج‏:‏ الصريم الرملة؛ لأنها لا يثبت عليها شيء ينتفع به، وقال الحسن‏:‏ صرم منها الخير أي‏:‏ قطع ‏{‏فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ‏}‏ أي‏:‏ نادى بعضهم بعضاً داخلين في الصباح‏.‏

قال مقاتل‏:‏ لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ‏{‏أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ‏}‏ و«أن» في قوله‏:‏ ‏{‏أَنِ اغدوا‏}‏ هي المفسرة لأنّ في التنادي معنى القول، أو هي المصدرية أي‏:‏ بأن اغدوا، والمراد اخرجوا غدوة، والمراد بالحرث‏:‏ الثمار والزرع ‏{‏إِن كُنتُمْ صارمين‏}‏ أي‏:‏ قاصدين للصرم، والغدوّ يتعدّى بإلى وعلى، فلا حاجة إلى تضمينه معنى الإقبال كما قيل، وجواب الشرط محذوف أي‏:‏ إن كنتم صارمين فاغدوا، وقيل‏:‏ معنى صارمين ماضين في العزم، من قولك سيف صارم ‏{‏فانطلقوا وَهُمْ يتخافتون‏}‏ أي‏:‏ ذهبوا إلى جنتهم وهم يسرّون الكلام بينهم؛ لئلا يعلم أحد بهم، يقال‏:‏ خفت يخفت، إذا سكن ولم ينبس، ومنه قول دريد بن الصمة‏:‏

وإني لم أهلك ملالا ولم أمت *** خفاتا وكلا ظنه بي عويمر

وقيل المعنى‏:‏ يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم، فيقصدوهم، كما كانوا يقصدون أباهم وقت الحصاد، والأوّل أولى لقوله‏:‏ ‏{‏أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ‏}‏ فإنّ «أن» هي المفسرة للتخافت المذكور لما فيه من معنى القول، والمعنى‏:‏ يسرّ بعضهم إلى بعض هذا القول، وهو لا يدخل هذه الجنة اليوم عليكم مسكين، فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم‏.‏ ‏{‏وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قادرين‏}‏ الحرد يكون بمعنى المنع والقصد‏.‏ قال قتادة، ومقاتل، والكلبي، والحسن، ومجاهد‏:‏ الحرد هنا بمعنى القصد؛ لأن القاصد إلى الشيء حارد‏.‏ يقال‏:‏ حرد يحرد إذا قصد، تقول‏:‏ حردت حردك أي‏:‏ قصدت قصدك، ومنه قول الراجز‏:‏

أقبل سيل جاء من عند الله *** يحرد حرد الجنة المغلة

وقال أبو عبيدة، والمبرد، والقتيبي‏:‏ على حرد على منع، من قولهم‏:‏ حردت الإبل حرداً‏:‏ إذا قلت ألبانها، والحرود من النوق هي القليلة اللبن‏.‏ وقال السديّ، وسفيان، والشعبي ‏{‏على حَرْدٍ‏}‏‏:‏ على غضب، ومنه قول الشاعر‏:‏

إذا جياد الخيل جاءت تردى *** مملوءة من غضب وحرد

وقول الآخر‏:‏

تساقوا على حرد دماء الأساود *** ومنه قيل‏:‏ أسد حارد، وروي عن قتادة، ومجاهد أيضاً أنهما قالا‏:‏ على حرد أي‏:‏ على حسد‏.‏ وقال الحسن أيضاً‏:‏ على حاجة وفاقة‏.‏ وقيل‏:‏ على حرد‏:‏ على انفراد، يقال‏:‏ حرد يحرد حرداً أو حروداً‏:‏ إذا تنحى عن قومه، ونزل منفرداً عنهم ولم يخالطهم، وبه قال الأصمعي، وغيره‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ حرد اسم قريتهم، وقال السديّ‏:‏ اسم جنتهم‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حرد‏}‏ بسكون الراء‏.‏ وقرأ أبو العالية، وابن السميفع بفتحها، وانتصاب ‏{‏قادرين‏}‏ على الحال‏.‏ قال الفراء‏:‏ ومعنى ‏{‏قادرين‏}‏‏:‏ قد قدروا أمرهم وبنوا عليه، وقال قتادة‏:‏ قادرين على جنتهم عند أنفسهم‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ يعني قادرين على المساكين ‏{‏فَلَمَّا رَأَوْهَا‏}‏ أي‏:‏ لما رأوا جنتهم، وشاهدوا ما قد حلّ بها من الآفة التي أذهبت ما فيها ‏{‏قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ‏}‏ أي‏:‏ قال بعضهم لبعض‏:‏ قد ضللنا طريق جنتنا، وليست هذه‏.‏

ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع، قالوا‏:‏ ‏{‏بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ‏}‏ أي‏:‏ حرمنا جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، فأضربوا عن قولهم الأوّل إلى هذا القول، وقيل‏:‏ معنى قولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَضَالُّونَ‏}‏ أنهم ضلوا عن الصواب بما وقع منهم‏.‏

‏{‏قَالَ أَوْسَطُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ أمثلهم وأعقلهم وخيرهم ‏{‏أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ‏}‏ أي‏:‏ هلا تسبحون يعني‏:‏ تستثنون، وسمي الاستثناء تسبيحاً؛ لأنه تعظيم لله وإقرار به، وهذا يدلّ على أن أوسطهم كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه، وقال مجاهد، وأبو صالح، وغيرهما‏:‏ كان استثناؤهم تسبيحاً‏.‏ قال النحاس‏:‏ أصل التسبيح التنزيه لله عزّ وجلّ، فجعل التسبيح في موضع إن شاء الله، وقيل المعنى‏:‏ هلا تستغفرون الله من فعلكم، وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها، وكان أوسطهم قد قال لهم ذلك، فلما قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة على تلك الصفة قالوا‏:‏ ‏{‏سبحان رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظالمين‏}‏ أي‏:‏ تنزيهاً له عن أن يكون ظالماً فيما صنع بجنتنا، فإن ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه‏.‏ وقيل‏:‏ معنى تسبيحهم الاستغفار أي‏:‏ نستغفر ربنا من ذنبنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا للمساكين‏.‏

‏{‏فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون‏}‏ أي‏:‏ يلوم بعضهم بعضاً في منعهم للمساكين وعزمهم على ذلك، ثم نادوا على أنفسهم بالويل حيث قالوا‏:‏ ‏{‏ياويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين‏}‏ أي‏:‏ عاصين متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء وترك الاستثناء‏.‏ قال ابن كيسان‏:‏ أي‏:‏ طغينا نعم الله، فلم نشكرها كما شكرها أبونا من قبل، ثم رجعوا إلى الله وسألوه أن يعوّضهم بخير منها، فقالوا‏:‏ ‏{‏عسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَا‏}‏ لما اعترفوا بالخطيئة رجوا من الله عزّ وجلّ أن يبدلهم جنة خيراً من جنتهم، قيل‏:‏ إنهم تعاقدوا فيما بينهم، وقالوا‏:‏ إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنع أبونا، فدعوا الله وتضرّعوا، فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يبدلنا‏}‏ بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو، وأهل المدينة بالتشديد، وهما لغتان، والتبديل تغيير ذات الشيء، أو تغيير صفته، والإبدال رفع الشيء جملة، ووضع آخر مكانه، كما مضى في سورة سبأ ‏{‏إِنَّا إلى رَبّنَا راغبون‏}‏ أي‏:‏ طالبون منه الخير راجون لعفوه راجعون إليه، وعدي بإلى، وهو إنما يتعدى بعن أو في لتضمينه معنى الرجوع ‏{‏كَذَلِكَ العذاب‏}‏ أي‏:‏ مثل ذلك العذاب الذي بلوناهم به، وبلونا أهل مكة عذاب الدنيا، والعذاب مبتدأ مؤخر، و‏{‏كذلك‏}‏ خبره ‏{‏وَلَعَذَابُ الأخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ أي‏:‏ أشد وأعظم لو كان المشركون يعلمون أنه كذلك، ولكنهم لا يعلمون‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة‏}‏ قال‏:‏ هم ناس من الحبشة كان لأبيهم جنة، وكان يطعم منها المساكين، فمات أبوهم، فقال بنوه‏:‏ أن كان أبونا لأحمق كان يطعم المساكين ف ‏{‏أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ‏}‏ وأن لا يطعموا مسكيناً‏.‏

وأخرج ابن جرير عنه ‏{‏فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ‏}‏ قال‏:‏ أمر من الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إياكم والمعصية، فإن العبد ليذنب الذنب الواحد، فينسّى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب، فيحرم به قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب، فيحرم به رزقاً قد كان هيئ له‏.‏ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏فَطَافَ عَلَيْهِا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم‏}‏ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم» وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏كالصريم‏}‏ قال‏:‏ مثل الليل الأسود‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يتخافتون‏}‏ قال‏:‏ الإسرار والكلام الخفيّ‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً ‏{‏على حَرْدٍ قادرين‏}‏ يقول‏:‏ ذو قدرة‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَضَالُّونَ‏}‏ قال‏:‏ أضللنا مكان جنتنا‏.‏ وأخرجا عنه أيضاً ‏{‏قَالَ أَوْسَطُهُمْ‏}‏ قال‏:‏ أعدلهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 52‏]‏

‏{‏إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏34‏)‏ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ‏(‏35‏)‏ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ‏(‏36‏)‏ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ‏(‏37‏)‏ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ‏(‏38‏)‏ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ‏(‏39‏)‏ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ ‏(‏40‏)‏ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ‏(‏41‏)‏ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ‏(‏42‏)‏ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ‏(‏43‏)‏ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏44‏)‏ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ‏(‏45‏)‏ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ‏(‏46‏)‏ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ‏(‏47‏)‏ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ‏(‏48‏)‏ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ‏(‏49‏)‏ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏50‏)‏ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ‏(‏51‏)‏ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

لما فرغ سبحانه من ذكر حال الكفار، وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة، ذكر حال المتقين وما أعدّه لهم من الخير، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبّهِمْ جنات النعيم‏}‏ أي‏:‏ المتقين ما يوجب سخطه من الكفر والمعاصي عنده عزّ وجلّ في الدار الآخرة جنات النعيم الخالص الذي لا يشوبه كدر، ولا ينغصه خوف زوال ‏{‏أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين‏}‏ الاستفهام للإنكار، وكان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها، فلما سمعوا بذكر الآخرة، وما يعطي الله المسلمين فيها قالوا‏:‏ إن صح ما يزعمه محمد لم يكن حالنا وحالهم إلاّ مثل ما هي في الدنيا، فقال الله مكذباً لهم رادّاً عليهم‏:‏ ‏{‏أَفَنَجْعَلُ المسلمين‏}‏ الآية، والفاء للعطف على مقدر كنظائره‏.‏ ثم وبخهم الله، فقال‏:‏ ‏{‏مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏ هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم تحكمون فيه بما شئتم ‏{‏أَمْ لَكُمْ كتاب فِيهِ تَدْرُسُونَ‏}‏ أي‏:‏ تقرءون فيه، فتجدون المطيع كالعاصي، ومثل هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ * فَأْتُواْ بكتابكم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 56 57‏]‏ ثم قال سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ‏}‏ قرأ الجمهور بكسر إن على أنها معمولة لتدرسون أي‏:‏ تدرسون في الكتاب ‏{‏إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ‏}‏ فلما دخلت اللام كسرت الهمزة كقوله‏:‏ علمت إنك لعاقل بالكسر، أو على الحكاية للمدروس، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الأخرين * سلام على نُوحٍ فِى العالمين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 78، 79‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ قد تمّ الكلام عند قوله‏:‏ ‏{‏تَدْرُسُونَ‏}‏ ثم ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ ليس لكم ذلك، وقرأ طلحة بن مصرف، والضحاك «أن لكم» بفتح الهمزة على أن العامل فيه تدرسون مع زيادة لام التأكيد، ومعنى ‏{‏تَخَيَّرُونَ‏}‏‏:‏ تختارون وتشتهون‏.‏

ثم زاد سبحانه في التوبيخ فقال‏:‏ ‏{‏أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا بالغة‏}‏ أي‏:‏ عهود مؤكدة موثقة متناهية، والمعنى أم لكم أيمان على الله استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة، وقوله‏:‏ ‏{‏إلى يَوْمِ القيامة‏}‏ متعلق بالمقدر في لكم أي‏:‏ ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى يحكمكم يومئذٍ، وجواب القسم قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ‏}‏ لأن معنى‏:‏ ‏{‏أَمْ لَكُمْ أيمان‏}‏ أي‏:‏ أم أقسمنا لكم‏.‏ قال الرازي‏:‏ والمعنى أم ضمنا لكم، وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد‏.‏ وقيل‏:‏ قد تمّ الكلام عند قوله‏:‏ ‏{‏إلى يَوْمِ القيامة‏}‏ ثم ابتدأ، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ‏}‏ أي‏:‏ ليس الأمر كذلك‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏بالغة‏}‏ بالرفع على النعت لأيمان، وقرأ الحسن، وزيد بن عليّ بنصبها على الحال من أيمان؛ لأنها قد تخصصت بالوصف، أو من الضمير في لكم؛ أو من الضمير في علينا ‏{‏سَلْهُمْ أَيُّهُم بذلك زَعِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ سل يا محمد الكفار موبخاً لهم ومقرّعاً، أيهم بذلك الحكم الخارج عن الصواب كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها‏.‏

وقال ابن كيسان‏:‏ الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى‏.‏ وقال الحسن‏:‏ الزعيم الرسول‏.‏

‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء‏}‏ يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم فيه ‏{‏فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صادقين‏}‏ فيما يقولون، وهو أمر تعجيز، وجواب الشرط محذوف، وقيل‏:‏ المعنى أم لهم شركاء يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة‏.‏

‏{‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ‏}‏ يوم ظرف لقوله‏:‏ ‏{‏فَلْيَأْتُواْ‏}‏ أي‏:‏ فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق، ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل مقدّر أي‏:‏ اذكر يوم يكشف‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون في قوله‏:‏ ‏{‏عَن سَاقٍ‏}‏ عن شدّة من الأمر‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجدّ فيه شمر عن ساقه، فيستعار الكشف عن الساق في موضع الشدّة، وأنشد لدريد بن الصمة‏:‏

كميش الإزار خارج نصف ساقه *** صبور على الجلاء طلاع أنجد

وقال‏:‏ وتأويل الآية يوم يشتدّ الأمر كما يشتدّ ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ إذا اشتدّ الحرب، والأمر قيل‏:‏ كشف الأمر عن ساقه، والأصل فيه من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجدّ شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عن موضع الشدّة، وهكذا قال غيره من أهل اللغة، وقد استعملت ذلك العرب في أشعارها، ومن ذلك قول الشاعر‏:‏

أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها *** وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا

وقول آخر‏:‏

والخيل تعدو عند وقت الإشراق *** وقامت الحرب بنا على ساق

وقول آخر أيضاً‏:‏

قد كشفت عن ساقها فشدّوا *** وجدّت الحرب بكم فجدّوا

وقول آخر أيضاً في سنة‏:‏

قد كشفت عن ساقها حمرا *** ء تبرى اللحم عن عراقها

وقيل‏:‏ ساق الشيء‏:‏ أصله وقوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان أي‏:‏ يوم يكشف عن ساق الأمر فتظهر حقائقه، وقيل‏:‏ يكشف عن ساق جهنم، وقيل‏:‏ عن ساق العرش، وقيل‏:‏ عبارة عن القرب، وقيل‏:‏ يكشف الربّ سبحانه عن نوره، وسيأتي في آخر البحث ما هو الحق، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يكشف‏}‏ بالتحية مبنياً للمفعول، وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وابن أبي عبلة «تكشف» بالفوقية مبنياً للفاعل أي‏:‏ الشدّة أو الساعة، وقرئ بالفوقية مبنياً للمفعول، وقرئ بالنون، وقرئ بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر أي‏:‏ دخل في الكشف ‏{‏وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ‏}‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم تيبست فلا تلين للسجود‏.‏

قال الربيع بن أنس‏:‏ يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا، فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون؛ لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا، وانتصاب ‏{‏خاشعة أبصارهم‏}‏ على الحال من ضمير يدعون، وأبصارهم مرتفع به على الفاعلية، ونسبة الخشوع إلى الأبصار، وهو الخضوع والذلة لظهور أثره فيها ‏{‏تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ‏}‏ أي‏:‏ تغشاهم ذلة شديدة وحسرة وندامة ‏{‏وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود‏}‏ أي في الدنيا ‏{‏وَهُمْ سالمون‏}‏ أي معافون عن العلل متمكنون من الفعل‏.‏ قال إبراهيم التيمي‏:‏ يدعون بالأذان والإقامة فيأبون‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ يسمعون حيّ على الفلاح، فلا يجيبون‏.‏ قال كعب الأحبار‏:‏ والله ما نزلت هده الآية إلاّ في الذين يتخلفون عن الجماعات‏.‏ وقيل‏:‏ يدعون بالتكليف المتوجه عليهم بالشرع فلا يجيبون، وجملة‏:‏ ‏{‏وَهُمْ سالمون‏}‏ في محل نصب على الحال من ضمير يدعون‏.‏

‏{‏فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بهذا الحديث‏}‏ أي‏:‏ خل بيني وبينه، وكل أمره إليّ فأنا أكفيكه‏.‏ قال الزجاج‏:‏ معناه لا يشتغل به قلبك، كله إليّ فأنا أكفيك أمره‏.‏ والفاء لترتيب ما بعدها من الأمر على ما قبلها، و«من» منصوب بالعطف على ضمير المتكلم، أو على أنه مفعول معه، والمراد بهذا الحديث القرآن، قاله السديّ‏.‏ وقيل‏:‏ يوم القيامة، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة ‏{‏سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ مستأنفة لبيان كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله‏:‏ ‏{‏ذَرْنِى وَمَنْ يُكَذّبُ بهذا الحديث‏}‏، والضمير عائد إلى من باعتبار معناها، والمعنى‏:‏ سنأخذهم بالعذاب على غفلة، ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنهم يظنونه إنعاماً، ولا يفكرون في عاقبته وما سيلقون في نهايته‏.‏ قال سفيان الثوري‏:‏ يسبغ عليهم النعم وينسيهم الشكر‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه‏.‏ والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال، ويقال‏:‏ استدرج فلان فلاناً أي‏:‏ استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال‏:‏ درّجه إلى كذا واستدرجه يعني‏:‏ أدناه إلى التدريج، فتدرج هو‏.‏

ثم ذكر سبحانه أنه يمهل الظالمين، فقال‏:‏ ‏{‏وَأُمْلِى لَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ أمهلهم ليزدادوا إثماً، وقد مضى تفسير هذا في سورة الأعراف والطور، وأصل الملاوة المدّة من الدهر، يقال‏:‏ أملى الله له أي‏:‏ أطال له المدّة، والملا‏:‏ مقصور الأرض الواسعة، سميت به، لامتدادها ‏{‏إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ‏}‏ أي‏:‏ قويّ شديد، فلا يفوتني شيء، وسمى سبحانه إحسانه كيداً، كما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد باعتبار عاقبته، ووصفه بالمتانة لقوّة أثره في التسبب للهلاك ‏{‏أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً‏}‏ أعاد سبحانه الكلام إلى ما تقدّم من قوله‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء‏}‏ أي أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله ‏{‏فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ‏}‏ المغرم‏:‏ الغرامة أي‏:‏ فهم من غرامة ذلك الأجر، ومثقلون أي‏:‏ يثقل عليهم حمله لشحهم ببذل المال، فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب، والاستفهام للتوبيخ والتقريع لهم، والمعنى‏:‏ أنك لم تسألهم ذلك ولم تطلبه منهم ‏{‏أَمْ عِندَهُمُ الغيب فَهُمْ يَكْتُبُونَ‏}‏ أي‏:‏ اللوح المحفوظ، أو كلّ ما غاب عنهم، فهم من ذلك الغيب يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون أنها تدلّ على قولهم، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك، ويحكمون لأنفسهم بما يريدون، ويستغنون بذلك عن الإجابة لك والامتثال لما تقوله‏.‏

‏{‏فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ‏}‏ أي‏:‏ لقضائه الذي قد قضاه في سابق علمه، قيل‏:‏ والحكم هنا هو إمهالهم وتأخير نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وقيل‏:‏ هو ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة، قيل‏:‏ وهذا منسوخ بآية السيف ‏{‏وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت‏}‏ يعني‏:‏ يونس عليه السلام، أي‏:‏ لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة، والظرف في قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ نادى‏}‏ منصوب بمضاف محذوف أي‏:‏ لا تكن حالك كحاله وقت ندائه، وجملة ‏{‏وَهُوَ مَكْظُومٌ‏}‏ في محل نصب على الحال من فاعل نادى، والمكظوم‏:‏ المملوء غيظاً وكرباً‏.‏ قال قتادة‏:‏ إن الله يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويأمره بالصبر، ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وقد تقدّم بيان قصته في سورة الأنبياء ويونس والصافات، وكان النداء منه بقوله‏:‏ ‏{‏لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 87‏]‏ وقيل‏:‏ إن المكظوم‏:‏ المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس‏.‏ قاله المبرّد، وقيل‏:‏ هو المحبوس، والأوّل أولى، ومنه قول ذى الرّمة‏:‏

وأنت من حبّ ميّ مضمر حزنا *** عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم

‏{‏لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مّن رَّبّهِ‏}‏ أي لولا أن تدارك صاحب الحوت نعمة من الله، وهي توفيقه للتوبة، فتاب الله عليه ‏{‏لَنُبِذَ بالعراء‏}‏ أي‏:‏ لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات ‏{‏وَهُوَ مَذْمُومٌ‏}‏ أي‏:‏ يذمّ ويلام بالذنب الذي أذنبه، ويطرد من الرحمة، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير نبذ‏.‏ قال الضحاك‏:‏ النعمة هنا النبوّة‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ عبادته التي سلفت‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ هي نداؤه بقوله‏:‏ ‏{‏لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 87‏]‏ وقيل‏:‏ مذموم مبعد‏.‏ وقيل‏:‏ مذنب‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تداركه‏}‏ على صيغة الماضي، وقرأ الحسن، وابن هرمز، والأعمش بتشديد الدال، والأصل‏:‏ تتداركه بتاءين مضارعاً فأدغم، وتكون هذه القراءة على حكاية الحال الماضية، وقرأ أبيّ، وابن مسعود، وابن عباس «تداركته» بتاء التأنيث‏.‏ ‏{‏فاجتباه رَبُّهُ‏}‏ أي‏:‏ استخلصه واصطفاه، واختاره للنبوّة ‏{‏فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين‏}‏ أي‏:‏ الكاملين في الصلاح، وعصمه من الذنب‏.‏

وقيل‏:‏ ردّ إليه النبوّة وشفعه في نفسه وفي قومه، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، كما تقدّم‏.‏

‏{‏وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم‏}‏ «إن» هي المخففة من الثقيلة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ليزلقونك‏}‏ بضم الياء من أزلقه أي‏:‏ أزلّ رجله، يقال‏:‏ أزلقه عن موضعه إذا نحاه، وقرأ نافع، وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه‏:‏ إذا تنحى‏.‏ قال الهروي‏:‏ أي‏:‏ فيغتالونك بعيونهم، فيزلقونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك، وقرأ ابن عباس، وابن مسعود، والأعمش، ومجاهد، وأبو وائل ‏"‏ ليرهقونك ‏"‏ أي‏:‏ يهلكونك‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏يزلقونك‏}‏ أي‏:‏ يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة، وكذا قال السديّ، وسعيد بن جبير‏.‏ وقال النضر بن شميل، والأخفش‏:‏ يفتنونك‏.‏ وقال الحسن، وابن كيسان‏:‏ ليقتلونك‏.‏ قال الزجاج‏:‏ في الآية مذهب أهل اللغة، والتأويل أنهم من شدّة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك، وهذا مستعمل في الكلام، يقول القائل‏:‏ نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني، ونظراً يكاد يأكلني‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظراً شديداً بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، كما قال الشاعر‏:‏

يتعارضون إذا التقوا في مجلس *** نظراً يزيل مواطئ الأقدام

‏{‏لَمَّا سَمِعُواْ الذكر‏}‏ أي وقت سماعهم للقرآن، لكراهتهم لذلك أشدّ كراهة، ولما ظرفية منصوبة بيزلقونك، وقيل‏:‏ هي حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه أي‏:‏ لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك ‏{‏وَيَقُولُونَ إِنَّهُ مَّجْنُونٍ‏}‏ أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن، فردّ الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ‏}‏ والجملة مستأنفة، أو في محل نصب على الحال من فاعل يقولون‏:‏ أي‏:‏ والحال أنه تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه، أو شرف لهم، كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 44‏]‏‏.‏

وقيل‏:‏ الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه مذكر للعالمين، أو شرف لهم‏.‏

وقد أخرج البخاري، وغيره عن أبي سعيد قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً ‏"‏ وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما، وله ألفاظ في بعضها طول، وهو حديث مشهور معروف‏.‏ وأخرج ابن منده عن أبي هريرة في الآية قال‏:‏ يكشف الله عزّ وجلّ عن ساقه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن منده عن ابن مسعود في الآية قال‏:‏ يكشف عن ساقه تبارك وتعالى‏.‏ وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء، والصفات، وضعفه، وابن عساكر عن أبي موسى عن النبيّ في الآية قال‏:‏

«عن نور عظيم، فيخرّون له سجداً» وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن منده، والبيهقي عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ يكشف عن أمر عظيم، ثم قال‏:‏ قد قامت الحرب على ساق‏.‏ قال‏:‏ وقال ابن مسعود‏:‏ يكشف عن ساقه فيسجد كلّ مؤمن، ويقسو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ‏}‏ قال‏:‏ إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر‏:‏

وقامت الحرب بنا على ساق *** قال ابن عباس‏:‏ هذا يوم كرب شديد‏.‏ روي عنه نحو هذا من طرق أخرى، وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله، كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً، فليس كمثله شيء‏.‏

دعوا كل قول عند قول محمد *** فما آمن في دينه كمخاطر

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون‏}‏ قال‏:‏ هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عنه في الآية قال‏:‏ الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم‏}‏ قال‏:‏ ينفذونك بأبصارهم‏.‏

سورة الحاقة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 18‏]‏

‏{‏الْحَاقَّةُ ‏(‏1‏)‏ مَا الْحَاقَّةُ ‏(‏2‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ‏(‏3‏)‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ‏(‏4‏)‏ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ‏(‏5‏)‏ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ‏(‏6‏)‏ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ‏(‏7‏)‏ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ‏(‏8‏)‏ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ‏(‏9‏)‏ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً ‏(‏10‏)‏ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ‏(‏11‏)‏ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ‏(‏12‏)‏ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ‏(‏13‏)‏ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ‏(‏14‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ‏(‏15‏)‏ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ‏(‏16‏)‏ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ‏(‏17‏)‏ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ‏(‏18‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏الحاقة‏}‏ هي‏:‏ القيامة؛ لأن الأمر يحق فيها، وهي تحق في نفسها من غير شك‏.‏ قال الأزهري‏:‏ يقال‏:‏ حاققته، فحققته أحقه‏:‏ غالبته فغلبته أغلبه‏.‏ فالقيامة حاقة؛ لأنها تحاق كل محاق في دين الله بالباطل، وتخصم كل مخاصم‏.‏ وقال في الصحاح‏:‏ حاقه أي‏:‏ خاصمه في صغار الأشياء، ويقال‏:‏ ماله فيها حقّ ولا حقاق ولا خصومة، والتحاقّ‏:‏ التخاصم، والحاقة والحقة والحقّ ثلاث لغات بمعنى‏.‏ قال الواحدي‏:‏ هي القيامة في قول كل المفسرين، وسميت بذلك لأنها ذات الحواقّ من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود‏.‏ قال الكسائي، والمؤرج‏:‏ الحاقة يوم الحق، وقيل‏:‏ سميت بذلك لأن كل إنسان فيها حقيق بأن يجزى بعمله، وقيل‏:‏ سميت بذلك لأنها أحقت لقوم النار، وأحقت لقوم الجنة، وهي مبتدأ، وخبرها قوله‏:‏ ‏{‏مَا الحاقة‏}‏ على أن ما الاستفهامية مبتدأ ثان، وخبره الحاقة، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والمعنى‏:‏ أيّ شيء هي في حالها أو صفاتها، وقيل‏:‏ إن ما الاستفهامية خبر لما بعدها، وهذه الجملة، وإن كان لفظها لفظ الاستفهام، فمعناها التعظيم والتفخيم لشأنها، كما تقول‏:‏ زيد ما زيد، وقد قدّمنا تحقيق هذا المعنى في سورة الواقعة‏.‏

ثم زاد سبحانه في تفخيم أمرها وتفظيع شأنها وتهويل حالها، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحاقة‏}‏ أي‏:‏ أيّ شيء أعلمك ما هي‏؟‏ أي‏:‏ كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها وتشاهد ما فيها من الأهوال، فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين‏.‏ قال يحيى بن سلام‏:‏ بلغني أن كل شيء في القرآن وما أدراك، فقد أدراه إياه وعلمه، وكلّ شيء قال فيه‏:‏ وما يدريك، فإنه أخبره به‏.‏ وما مبتدأ، وخبره أدراك، و‏{‏ما الحاقة‏}‏ جملة من مبتدأ، وخبر محلها النصب بإسقاط الخافض؛ لأن أدري يتعدّى إلى المفعول الثاني بالباء، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 16‏]‏ فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع المفعول الثاني، وبدون الهمزة يتعدى إلى مفعول واحد بالباء نحو دريت بكذا، وإن كان بمعنى العلم تعدى إلى مفعولين، وجملة، وما أدراك معطوفة على جملة‏:‏ ‏{‏ما الحاقة‏}‏‏.‏ ‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة‏}‏ أي‏:‏ بالقيامة، وسميت بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها‏.‏ وقال المبرّد‏:‏ عنى بالقارعة القرآن الذي نزل في الدنيا على أنبيائهم، وكانوا يخوّفونهم بذلك فيكذبونهم‏.‏ وقيل‏:‏ القارعة مأخوذة من القرعة؛ لأنها ترفع أقواماً وتحط آخرين، والأوّل أولى، ويكون وضع القارعة موضع ضمير الحاقة للدلالة على عظيم هولها وفظاعة حالها، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوال الحاقة‏.‏

‏{‏فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية‏}‏ ثمود‏:‏ هم قوم صالح، وقد تقدّم بيان هذا في غير موضع، وبيان منازلهم، وأين كانت، والطاغية الصيحة التي جاوزت الحدّ، وقيل‏:‏ بطغيانهم وكفرهم، واصل الطغيان مجاوزة الحدّ‏.‏

‏{‏وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ‏}‏ عاد‏:‏ هم قوم هود، وقد تقدّم بيان هذا، وذكر منازلهم، وأين كانت في غير موضع، والريح الصرصر هي الشديدة البرد، مأخوذ من الصرّ، وهو البرد‏.‏ وقيل‏:‏ هي الشديدة الصوت‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الشديدة السموم، والعاتية التي عتت عن الطاعة، فكأنها عتت على خزانها، فلم تطعهم ولم يقدروا على ردّها لشدّة هبوبها، أو عتت على عاد، فلم يقدروا على ردّها بل أهلكتهم‏.‏ ‏{‏سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ‏}‏ هذه الجملة مستأنفة لبيان كيفية إهلاكهم، ومعنى ‏{‏سَخَّرَهَا‏}‏ سلطها، كذا قال مقاتل، وقيل‏:‏ أرسلها‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أقامها عليهم كما شاء، والتسخير‏:‏ استعمال الشيء بالاقتدار، ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة لريح، وأن تكون حالاً منها لتخصيصها بالصفة، أو من الضمير في عاتية ‏{‏وثمانية أَيَّامٍ‏}‏ معطوف على ‏{‏سَبْعَ لَيَالٍ‏}‏، وانتصاب ‏{‏حُسُوماً‏}‏ على الحال أي‏:‏ ذات حسوم، أو على المصدر بفعل مقدّر أي‏:‏ تحسمهم حسوماً، أو على أنه مفعول به، والحسوم التتابع، فإذا تتابع الشيء ولم ينقطع أوّله عن آخره قيل له الحسوم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الذي توجبه اللغة في معنى قوله ‏{‏حُسُوماً‏}‏ أي‏:‏ تحسمهم حسوماً تفنيهم وتذهبهم‏.‏ قال النضر بن شميل‏:‏ حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ الحسوم الاتباع من حسم الداء، وهو الكيّ؛ لأن صاحبه يكوى بالمكواة ثم يتابع ذلك عليه، ومنه قول أبي دؤاد‏:‏

يفرق بينهم زمن طويل *** تتابع فيه أعواماً حسوماً

وقال المبرّد‏:‏ هو من قولك حسمت الشيء‏:‏ إذا قطعته وفصلته عن غيره‏.‏ وقيل‏:‏ الحسم الاستئصال، ويقال للسيف‏:‏ حسام، لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته، والمعنى‏:‏ أنها حسمتهم، أو قطعتهم وأذهبتهم، ومنه قول الشاعر‏:‏

فأرسلت ريحاً دبوراً عقيما *** فدارت عليهم فكانت حسوما

قال ابن زيد‏:‏ أي‏:‏ حسمتهم فلم تبق منهم أحداً‏.‏ وروي عنه أنه قال‏:‏ حسمت الأيام والليالي حتى استوفتها؛ لأنها بدأت بطلوع الشمس من أوّل يوم، وانقطعت بغروب الشمس من آخر يوم‏.‏ وقال الليث‏:‏ الحسوم هي الشؤم أي‏:‏ تحسم الخير عن أهلها، كقوله‏:‏ ‏{‏فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 16‏]‏‏.‏

واختلف في أوّلها‏.‏ فقيل‏:‏ غداة الأحد‏.‏ وقيل‏:‏ غداة الجمعة‏.‏ وقيل‏:‏ غداة الأربعاء‏.‏ قال وهب‏:‏ وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز، كان فيها برد شديد وريح شديدة، وكان أوّلها يوم الأربعاء، وآخرها يوم الأربعاء ‏{‏فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى‏}‏ الخطاب لكلّ من يصلح له على تقدير أنه لو كان حاضراً حينئذٍ لرأى ذلك، والضمير في‏:‏ ‏{‏فيها‏}‏ يعود إلى الليالي والأيام‏.‏ وقيل‏:‏ إلى مهاب الريح، والأوّل أولى‏.‏ وصرعى جمع صريع يعني‏:‏ موتى ‏{‏كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ‏}‏ أي‏:‏ أصول نخل ساقطة أو بالية‏.‏ وقيل‏:‏ خالية لا جوف فيها، والنخل يذكر ويؤنث، ومثله قوله‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ‏}‏

‏[‏القمر‏:‏ 20‏]‏ وقد تقدّم تفسيره، وهو إخبار عن عظم أجسامهم‏.‏ قال يحيى بن سلام‏:‏ إنما قال خاوية؛ لأن أبدانهم خلت من أرواحهم مثل النخل الخاوية ‏{‏فَهَلْ ترى لَهُم مّن بَاقِيَةٍ‏}‏ أي‏:‏ من فرقة باقية، أو من نفس باقية، أو من بقية على أن باقية مصدر كالعاقبة والعافية‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ أقاموا سبع ليالٍ وثمانية أيام أحياء في عذاب الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر‏.‏

‏{‏وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ‏}‏ أي‏:‏ من الأمم الكافرة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏قبله‏}‏ بفتح القاف وسكون الباء أي‏:‏ ومن تقدّمه من القرون الماضية والأمم الخالية، وقرأ أبو عمرو، والكسائي بكسر القاف وفتح الباء أي‏:‏ ومن هو في جهته من أتباعه، واختار أبو حاتم، وأبو عبيد القراءة الثانية لقراءة ابن مسعود وأبيّ ومن معه، ولقراءة أبي موسى ومن يلقاه ‏{‏والمؤتفكات‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏المؤتفكات‏}‏ بالجمع، وهي قرى قوم لوط، وقرأ الحسن، والجحدري‏:‏ «المؤتفكة» بالإفراد، واللام للجنس، فهي في معنى الجمع، والمعنى‏:‏ وجاءت المؤتفكات ‏{‏بِالْخَاطِئَةِ‏}‏ أي‏:‏ بالفعلة الخاطئة، أو الخطأ على أنها مصدر‏.‏ والمراد‏:‏ أنها جاءت بالشرك والمعاصي‏.‏ قال مجاهد‏:‏ بالخطايا، وقال الجرجاني‏:‏ بالخطأ العظيم‏:‏ ‏{‏فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ‏}‏ أي‏:‏ فعصت كلّ أمة رسولها المرسل إليها‏.‏ قال الكلبي‏:‏ هو موسى، وقيل‏:‏ لوط لأنه أقرب، قيل‏:‏ ورسول هنا بمعنى رسالة، ومنه قول الشاعر‏:‏

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم *** بسرّ ولا أرسلتهم برسول

أي‏:‏ برسالة ‏{‏فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً‏}‏ أي‏:‏ أخذهم الله أخذة نامية زائدة على أخذات الأمم، والمعنى‏:‏ أنها بالغة في الشدّة إلى الغاية، يقال‏:‏ ربى الشيء يربو‏:‏ إذا زاد وتضاعف‏.‏ قال الزجاج‏:‏ تزيد على الأخذات‏.‏ قال مجاهد‏:‏ شديدة‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَمَّا طغى الماء‏}‏ أي‏:‏ تجاوز حدّه في الارتفاع والعلوّ، وذلك في زمن نوح لما أصرّ قومه على الكفر وكذبوه‏.‏ وقيل‏:‏ طغى على خزانه من الملائكة غضباً لربه، فلم يقدروا على حبسه‏.‏ قال قتادة‏:‏ زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً ‏{‏حملناكم فِى الجارية‏}‏ أي‏:‏ في أصلاب آبائكم، أو حملناهم وحملناكم في أصلابهم تغليباً للمخاطبين على الغائبين‏.‏ والجارية سفينة نوح، وسميت جارية لأنها تجري في الماء، ومحل ‏{‏في الجارية‏}‏ النصب على الحال أي‏:‏ رفعناكم فوق الماء حال كونكم في السفينة، ولما كان المقصود من ذكر قصص هذه الأمم، وذكر ما حلّ بهم من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول قال‏:‏ ‏{‏لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً‏}‏ أي‏:‏ لنجعل هذه الأمور المذكورة لكم يا أمة محمد عبرة وموعظة تستدلون بها على عظيم قدرة الله وبديع صنعه، أو لنجعل هذه الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين لكم تذكرة ‏{‏وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعية‏}‏ أي‏:‏ تحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت‏.‏

قال الزجاج‏:‏ يقال‏:‏ أوعيت كذا أي‏:‏ حفظته في نفسي أعيه وعياً، ووعيت العلم، ووعيت ما قلته كله بمعنى، وأوعيت المتاع في الوعاء، ويقال لكل ما وعيته في غير نفسك‏:‏ أوعيته بالألف، ولما حفظته في نفسك وعيته بغير ألف‏.‏ قال قتادة في تفسير الآية‏:‏ أذن سمعت وعقلت ما سمعت‏.‏ قال الفراء‏:‏ المعنى‏:‏ لتحفظها كل أذن عظة لمن يأتي بعد‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تعيها‏}‏ بكسر العين‏.‏ وقرأ طلحة بن مصرّف، وحميد الأعرج، وأبو عمرو في رواية عنه بإسكان العين تشبيهاً لهذه الكلمة برحم وشهد وإن لم تكن من ذلك‏.‏ قال الرازي‏:‏ وروي عن ابن كثير إسكان العين، جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة كلمة واحدة، فخفف وأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف‏.‏ انتهى‏.‏ والأولى أن يكون هذا من باب إجراء الوصل مجرى الوقف، كما في قراءة من قرأ‏:‏ ‏{‏وَمَا يُشْعِرُكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 109‏]‏ بسكون الراء‏.‏ قال القرطبي‏:‏ واختلفت القراءة فيها عن عاصم، وابن كثير‏:‏ يعني‏:‏ تعيها‏.‏

‏{‏فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور نَفْخَةٌ واحدة‏}‏ هذا شروع في بيان الحاقة، وكيف وقوعها بعد بيان شأنها بإهلاك المكذبين‏.‏ قال عطاء‏:‏ يريد النفخة الأولى‏.‏ وقال الكلبي، ومقاتل يريد النفخة الأخيرة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏نفخة واحدة‏}‏ بالرفع فيهما على أن نفخة مرتفعة على النيابة، وواحدة تأكيد لها، وحسن تذكير الفعل لوقوع الفصل‏.‏ وقرأ أبو السماك بنصبهما على أن النائب هو الجار والمجرور‏.‏ قال الزجاج‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فِى الصور‏}‏ يقوم مقام ما لم يسمّ فاعله ‏{‏وَحُمِلَتِ الأرض والجبال‏}‏ أي‏:‏ رفعت من أماكنها وقلعت عن مقارّها بالقدرة الإلهية‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏حملت‏}‏ بتخفيف الميم‏.‏ وقرأ الأعمش، وابن أبي عبلة، وابن مقسم، وابن عامر في رواية عنه بتشديدها للتكثير أو للتعدية ‏{‏فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة‏}‏ أي‏:‏ فكسرتا كسرة واحدة لا زيادة عليها، أو ضربتا ضربة واحدة بعضهما ببعض حتى صارتا كثيباً مهيلاً وهباءً منبثاً‏.‏ قال الفراء‏:‏ ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ أَنَّ السموات والأرض كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 30‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ دكتا بسطتا بسطة واحدة، ومنه اندك سنام البعير‏:‏ إذا انفرش على ظهره‏.‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة‏}‏ أي‏:‏ قامت القيامة‏.‏ ‏{‏وانشقت السماء فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ‏}‏ أي‏:‏ انشقت بنزول ما فيها من الملائكة فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يقال لكل ما ضعف جدّاً‏:‏ قد وهي فهو واهٍ، وقال الفرّاء‏:‏ وهيها تشققها‏.‏

‏{‏والملك على أَرْجَائِهَا‏}‏ أي‏:‏ جنس الملك على أطرافها وجوانبها، وهي جمع رجى مقصور، وتثنيته رجوان مثل قفا وقفوان، والمعنى‏:‏ أنها لما تشققت السماء، وهي مساكنهم لجئوا إلى أطرافها‏.‏ قال الضحاك‏:‏ إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الربّ، فينزلون إلى الأرض ويحيطون بالأرض ومن عليها‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ المعنى، والملك على حافات الدنيا أي‏:‏ ينزلون إلى الأرض، وقيل‏:‏ إذا صارت السماء قطعاً يقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها ‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية‏}‏ أي‏:‏ يحمله فوق رءوسهم يوم القيامة ثمانية أملاك‏.‏ وقيل‏:‏ ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله عزّ وجلّ‏.‏ وقيل‏:‏ ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، قاله الكلبي وغيره‏.‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ‏}‏ أي‏:‏ تعرض العباد على الله لحسابهم، ومثله ‏{‏وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 48‏]‏ وليس ذلك العرض عليه سبحانه ليعلم به ما لم يكن عالماً به وإنما عرض الاختبار والتوبيخ بالأعمال، وجملة‏:‏ ‏{‏لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ‏}‏ في محل نصب على الحال من ضمير تعرضون، أي‏:‏ تعرضون حال كونه لا يخفى على الله سبحانه من ذواتكم أو أقوالكم وأفعالكم خافية كائنة ما كانت، والتقدير‏:‏ أيّ نفس خافية أو فعلة خافية‏.‏

وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏الحاقة‏}‏ من أسماء القيامة‏.‏ وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه قال‏:‏ ما أرسل الله شيئًا من ريح إلاّ بمكيال، ولا قطرة من ماء إلاّ بمكيال إلاّ يوم نوح ويوم عاد‏.‏ فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه، فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء‏}‏ وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب نحوه‏.‏ وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر مرفوعاً‏:‏ «قال ما أمر الخزّان على عاد إلاّ مثل موضع الخاتم من الريح، فعتت على الخزّان، فخرجت من نواحي الأبواب»، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ‏}‏ قال‏:‏ «عتوّها عتت على الخزّان»‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ‏}‏ قال‏:‏ الغالبة‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏حُسُوماً‏}‏ قال‏:‏ متتابعات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏حُسُوماً‏}‏ قال‏:‏ تباعاً، وفي لفظ‏:‏ متتابعات‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ‏}‏ قال‏:‏ هي أصولها، وفي قوله‏:‏ ‏{‏خَاوِيَةٍ‏}‏ قال‏:‏ خربة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَمَّا طغى الماء‏}‏ قال‏:‏ طغى على خزانه فنزل، ولم ينزل من السماء ماء إلاّ بمكيال، أو ميزان إلاّ زمن نوح، فإنه طغى على خزانه فنزل بغير كيل ولا وزن‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق مكحول عن عليّ بن أبي طالب في قوله‏:‏ ‏{‏وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعية‏}‏ قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ» فقال عليّ‏:‏ ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فنسيته‏.‏ قال ابن كثير‏:‏ وهو حديث مرسل‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والواحدي، وابن مردويه، وابن عساكر، وابن النجار عن بريدة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ‏:‏ «إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحقّ لك أن تعي، فنزلت هذه الآية ‏{‏وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعية‏}‏ فأنت أذن واعيةً، يا عليّ» قال ابن كثير‏:‏ ولا يصح‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏{‏أُذُنٌ واعية‏}‏ قال‏:‏ أذن عقلت عن الله‏.‏

وأخرج الحاكم، والبيهقي في البعث عن أبي بن كعب في قوله‏:‏ ‏{‏وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة‏}‏ قال‏:‏ تصيران غبرة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ‏}‏ ‏[‏عبس‏:‏ 40 41‏]‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ‏}‏ قال‏:‏ متخرقة‏.‏ وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله‏:‏ ‏{‏والملك على أَرْجَائِهَا‏}‏ قال‏:‏ على حافاتها على ما لم يهيء منها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وعثمان بن سعيد الدارمي في الردّ على الجهمية، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والخطيب في ‏(‏تالي التلخيص‏)‏ عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية‏}‏ قال‏:‏ ثمانية أملاك على صورة الأوعال‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً من طرق في الآية قال‏:‏ يقال‏:‏ ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله، ويقال‏:‏ ثمانية أملاك رءوسهم عند العرش في السماء السابعة، وأقدامهم في الأرض السفلى، ولهم قرون كقرون الوعلة، ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه خمسمائة عام‏.‏ وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي موسى قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» وأخرج ابن جرير، والبيهقي في البعث عن ابن مسعود نحوه‏.‏